ابن جزار القيرواني
101
كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها
وقد ذكر جالينوس في كتاب « الصنعة الصغيرة » ، الفرق بين المزاج الرديء العارض في المعدة من تغير مزاجها ، وبين مزاجها الرديء الذي يكون بالطبع . فقال : ان صاحب المزاج الرديء العارض من مرض المعدة ، وتغير مزاجها ، يشتهي ما ضادّ مزاج معدته ، لا ما شاكله . وذلك أن كل مزاج خارج عن الاعتدال فإنما يشتاق إلى هذه ، لأن من كانت فيه حرارة ويبس ، فإنما يشتهي الماء وهو بارد رطب . وكذلك المثال في الكيفيات ، وصاحب المزاج الرديء في المعدة بالطبع ، انما يشتاق إلى الأشياء الملائمة لذلك المزاج . فإن كان تغيّر مزاج المعدة من قبل إفراط الحر ، يتبع ذلك قلة شهوة الطعام ، وعطش ، ووهن ، وحرقة ، وتلهّب ، وجشأ دخاني ، ومرارة الفم ، وإن كان تغيّر مزاجها من إفراط البرد ، تبع ذلك شهوة للطعام ، وجوع شديد ، ، مع قلة استمراء ، وضعف العطش ، وجشأ حامض . وإن كان تغيّر مزاجها ، من الرطوبة ، تبع ذلك الاستسقاء ، فأما أصناف المزاج الرديء الكائن في المعدة من كيموس ( مجتمع ) فيها إما بما يتولد فيها من فضول الأخلاط . وإما بما ينجلب إليها من الأعضاء . وربما كان تغيّر مزاج المعدة من سبب سوء مزاج من غير كيفيّة كيموس يجتمع فيها . وأكثر بما بين ذلك ، بالقيء لمن سهل عليه . وذلك أنه كان سبب سوء مزاج المعدة خلط رديء مجتمع فيها وأتت الأطعمة في وقت القيء متلوثة بذلك الخلط وكذلك النحو أيضا . وذلك أنه لا بد للثفل إذا خرج أن يكون مختلطا بالخلط الغالب على المعدة . فإن لم يتبيّن ذلك بالقيء أو بالبراز كما ذكرنا ، علمنا أن السبب في علة المعدة بسوء مزاجها فقط . فإن وجد العليل الغثي والتهوع من غير الغاشي ، علمنا أن السبب في ذلك كيموس لا حج ( ومريبك ) في طبقات المعدة . فبهذه الدلائل التي ذكرنا يعلم اختلاف مزاجات المعدة في حال صحتها الغريزية وعند تغيّرها . وقد ذكر جالينوس في كتاب « المزاج » ، أن مزاج كل واحد من الأعضاء أكثر ما يعرف بأفعال الأعضاء . مثال ذلك أنّا نستدل على مزاج المعدة بجودة استمراء الطعام ، وردائته فإن كانت المعدة تستمريء الطعام جيدا ، فهي معتدلة المزاج . وإن كانت لا تستمرئه جيدا بل يفسد الطعام فيها فهي غير معتدلة المزاج . فإن كان الطعام الذي يفسد في المعدة إنما يتدخّن ، من غير أن يكون ذلك يعرض له